وبعيداً عن التحليل والتحريم، نعرض هذه المسأله من عدة محاور أخرى مختلفة، مراعين بها الاختصار قدر الإمكان.. فخير الكلام ما دل قليله.
الكويت ليست دولة دينية
العقد شريعة المتعاقدين، والدستور الكويتي هو العقد الذي يجمع ما بيننا باختلافنا وتبايننا في الأفكار والمعتقدات والرؤى، وبغير ذلك الدستور، فساد وفوضى وحكم مستبد مستعبد ومستبعد لكل مخالف، وهو ما نخشى وقوعه.
يغفل كثيرون عن أن دستور الكويت مدني وليس دينيا، ويعلم ذلك جيداً نواب الأمة الذين أقسموا بالله العظيم على احترام الدستور وتطبيقه، لذلك فإن اختزال الشرعية القانونية لمسألة ما بين الحلال والحرام اختزال باطل، وليس له سند في دولة الكويت التي تحتكم إلى الدستور. والممارسات اللادستورية التي جرت عبر السنين لا تضفي أي شرعية على ذلك الانتهاك، فكثرة الخطأ لا تبرر الخطأ.
الدستور هو المحتكم، ولو كان الدستور «دينيا» لما نص في بابه الأول وفي مادته الأولى على أن الكويت دولة عربية مستقلة ذات سيادة تامة، وأن شعب الكويت جزء من الأمة العربية.
ففكرة وجود دولة ما مستقلة وذات سيادة تامة تناقض فكرة الدولة الإسلامية، كما أن الانتماء القومي يناقض ويناهض الانتماء الديني، فالدستور ينص على أن الكويت جزء من الأمة العربية (لا الإسلامية) وذلك إشكال آخر، ناهيك عن الكم الهائل من المواد الدستورية التي تتعارض مع فكرة الدولة الدينية، منها نظام الحكم والديموقراطية ذاتها التي تختلف كلياً عن نظام الشورى (الإسلامي) وغيرها الكثير.
الموسيقى في الدستور

نصت المادة الخامسة في الباب الأول من الدستور على التالي «يبين القانون علم الدولة وشعارها وأوسمتها ونشيدها الوطني»، لا أعلم كيف يريد نوابنا الأفاضل ان نصوغ نشيدنا الوطني بغير الموسيقى وبغير غناء النشيد؟ مع العلم بأن دول العالم كافة (حتى تلك التي تقف من الموسيقى موقفاً سلبياً) لها نشيد وطني يعزف بالآلات الموسيقية.
أرجو أن لا يتم تبرير تمرير النشيد الوطني على أنه من الموسيقى الوطنية والدينية التي تستثنى من التحريم، ولها رخصة شرعية، فذلك اجتهاد (رأي) لا أساس له من الشريعة الإسلامية، وفي ذلك مبحث لمن أراد تتبع منهجية التحليل والتحريم.
ونرجو أن لا نشهد يوماً، تطرح فيه الأناشيد الإسلامية (بشرية الصوت) كبديل عن النشيد الوطني (الموسيقي)، وذلك ما تقوم به بعض القنوات التلفزيونية المتزمتة، مع العلم بأن الأناشيد الإسلامية الرائجة هي ذاتها ترتكز على ركائز المقامات الموسيقية وأساليب التنقل ما بينها.
.. وفي التراث الكويتي

الموسيقى هوية الشعوب، لم يكن الكويتي بدعة عن غيره، فعبر عن نفسه بالغناء المصحوب بالآلات الموسيقية التي تطورت بتطوره وبمرور الوقت.
«النهمة» أحد تلك الفنون الغنائية التي ارتبطت بحياة البحر والصيد والغوص، وكانت تهدف إلى تحفيز الصيادين ورفع عزيمتهم خلال الرحلات الشاقة التي تمتد لشهور طوال، ومن تلك النهمة عرفت عائلة «النهام» الكويتية الفاضلة. ولم يكن نهامو تلك الفترة يشعرون بعدم احترام المجتمع لهم ولمهنتهم بخلاف ما يحدث حالياً، ذلك هو سلوك المجتمع الكويتي الذي كان بمنأى عن الفهم المتزمت قصير الأفق للدين، حيث كانت لديهم منظومة أخرى للصواب والخطأ.
يزعم البعض بأن ذلك كان سلوك العامة، وهو سلوك يجهل الحلال والحرام. ونقول لتلك الفئة ان ذلك لم يكن سلوك العامة فحسب، فحتى رجال الدين كان لهم فهم آخر للنصوص التي تتناول جدل الموسيقى، ومنها نعرض في هذه الصفحة مقالة نشرت في مجلة عالم الفن (الكويتية) في عام 1973 بيد فضيلة الشيخ الراحل علي الجسار، الذي كان يمثل نموذجا لفكر ديني متسامح يربط النصوص بالواقع، ويشير فيها بوضوح إلى قبوله للموسيقى والغناء والشعر والتمثيل والتصوير. ويقول في ختام مقالته ان موقفه من الفن هو الموافقة على ضرورة رعايته، بشرط أن يسلك في موضوعاته سبيل الرقي بمشاعر الناس وأحاسيسهم وبتنقية الأخلاق من الشوائب وسفاسف الأمور.

هل لكم أن تتخيلوا وجود أحد الدعاة الجدد أو شيوخ الدين الذين تفيض بهم الشاشات والصفحات، يتبنى طرحاً مماثلاً لطرح فضيلة الشيخ الراحل علي الجسار؟
خلاصة ما أود قوله ان رجال الدين (أو من يطرحون أنفسهم كذلك) يجب عليهم سعة المعرفة وربط الواقع بالنصوص بالمنطق، كي لا يكونوا أسرى لفكر ضيق لا يرى سوى نفسه.
.. وفي التراث الإسلامي
في أبرز عصور الخلافة الإسلامية وأكثرها توهجاً، برز العديد من المفكرين والعلماء والأدباء والفلاسفة من رحم دولة الخلافة الإسلامية، ولا تزال الإنسانية تدين بالفضل للكثير منهم، فقد أثروا الحضارة الإنسانية ولهم بصمات لا ينكرها إلا جاحد، وساهموا في تأسيس العديد من العلوم.
ولكن يبدو أن بعض المطالبين بمنع الموسيقى من مدارس الكويت فاق علمهم علم الفارابي وابن سينا وجابر بن حيان والرازي والكندي، الأسماء السابقة هي أسماء بعض العلماء المسلمين في أزهى عصور الخلافة الإسلامية ممن كتبوا وألفوا كثيرا بشأن الموسيقى وأهميتها ودورها في ترسيخ القيم الإيجابية والعلاج من الأمراض النفسيه وغيرها!
لماذا تفيض كتب التراث الإسلامي ومناهج التربية بمديح هؤلاء إن كانوا بهذا الجهل من أدبيات الإسلام وجهل بحكم الموسيقى في الإسلام؟
ليتهم يعيدون قراءتهم للتاريخ الإسلامي ليروا أن ارتباط الدولة الأموية والعباسية بالموسيقى كان بمباركة الخلفاء وبدعم مباشر منهم. ولمن أراد الاستزادة، فعليه بكتاب تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر ميلادي (القرن الهجري السابع) لهنري جورج فارمر، وهو أشبه بموسوعة تقع في 470 صفحة تشرح بالتفصيل دور الموسيقى والغناء في التاريخ الإسلامي محتكما إلى أمهات كتب التراث الإسلامي.
ومن مأثور القول، الاقتباس من كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي (246 – 328 هـ) التالي:
«لو كانت الألحان مكروهة، فالقرآن والآذان أحق بالتنزيه عنها.. وعلينا أن نمسك عنهما»
(العقد الفريد ج 3 ص178)
.. وفي التراث الإنساني
«أينما وجدت الموسيقى استحال أن يوجد الشر»
(الأديب الإسباني ثيربانتس في رائعته دون كيشوت)
عمر الفنون الجميلة هو ذاته عمر الإنسان، وعبر آلاف السنين برع الإنسان في التعبير عن ذاته، كان رسمه ونقشه على الحجر أثر يصل الماضي بالحاضر. رسم الإنسان والحيوان والجماد وما سواهم من المعتقدات الأسطورية التي كشفت لنا عن إرثهم الحضاري والفكري لتحكي لنا قصة الإنسان، حتى هذا الفن لم يسلم من أنياب الفهم الضيق للنصوص، فنال نصيبه من العداء.
والموسيقى كانت أحد تلك الفنون التي جاوزت آلاف السنين من عمرها، مرت بالكثير من المتغيرات حتى وصلت لنا بالشكل الذي نعرفه من حيث الآلات والنغمات والمقامات والقوالب والأساليب. والمحزن بهذا الشأن أننا فقدنا تراث آلاف السنين من العطاء البشري في ميداني الغناء والموسيقى، ولم نرث من هذا التراث سوى نصوص ومخطوطات نظرية لا تعبر بوضوح عن ما جاء فيها، إلى أن جاء الفرنسي «جيد ديزو» ليخترع النوتة الموسيقية في عام 1010 م والتي أتاحت تدوين الموسيقى كتابياً، ثم كانت نقطة التحول الأهم في عالم الصوتيات عندما اخترع العبقري الأميركي توماس أديسون في عام 1877 م جهاز الـ «فونو غراف» الذي يتيح تسجيل الصوتيات ومن ثم إعادة سماعها، فأتاح لنا ولكم بذلك فرصة الاستماع والاستمتاع بما يتم تسجيله من موسيقى وأغان لا يجمعنا معها مكان ولا زمان!
أدرك أثر الموسيقى الإيجابي عدد لا يعد من نوابغ المسيرة الإنسانية، فكتب عنها انشتاين وأرسطو وأفلاطون وأديسون وشكسبير وغيرهم ممن أثروا الحضارة الإنسانية. لم يعد هناك حديث لمناهضي الموسيقى، فأهمية الموسيقى أضحت من المسلمات ومن مفردات الحياة اليومية في العالم بشكل أو بآخر. الحياة تمضي ولغة الموسيقى تكتسب كل يوم مفردات جديدة تزيد من قدرتها التعبيرية والتصويرية، وحري بالقول ان الموسيقى منذ قرون مضت لم تعد مجرد أداة للتسلية، بل كانت أداة ثقافة توظف في الأوبرا والمسرحيات الروائية وغيرها، كما تستخدم في العلاج منذ القديم إلى يومنا هذا، كما أنها أداة فاعلة مذهلة في العملية التربوية، وهذا ما سنعرج على ذكره في المحور التالي.
.. وفي العملية التربوية

التوظيف الذكي للموسيقى يضمن رفع كفاءة عملية التعليم بمزجها بين التعليم والترفيه. أذكر تجربة شخصية تشير بوضوح إلى هذا المعنى، فقد كانت مادة اللغة العربية من احدىالموادالثقيلة في المراحل الدراسية مقارنة باللغة الإنكليزية على سبيل المثال، التي تعتمد على الإسلوب القصصي المصور والقصص المغناة التي تراعي عمر الطالب وإمكاناته. وندين بفضل كبير لمدرس اللغة العربية ويدعى استاذ شعبان، فقد قاده اجتهاده إلى ابتكار طريقة جديدة لحفظ حروف الجر وإن وأخواتها وكان وأخواتها عبر تلحينها ومن ثم تلقينها لنا. وكنا في كل يوم مع بدء الحصة نغنيها إلى أن حفظناها عن ظهر قلب، وكذلك فإن حفظنا للحروف العربية والإنكليزية لم يأت إلا بتلحينها وغنائها ولا أعتقد أنني بحاجة إلى إثبات ذلك.
وبشأن الأعمال التلفزيونية التربوية الموجهة إلى الطفل، أذكر العمل المميز «إفتح يا سمسم» الذي كان له أثر كبير في ترسيخ القيم الإيجابية، هل لك أن تتخيل حلقات «إفتح يا سمسم» بلا موسيقى إطلاقا؟ لعل أكثر ما كان يشد الأطفال ويربطهم بذلك العمل التربوي هو أغنية المقدمة، كما كان الحال عليه في العمل التربوي الآخر «المناهل».

بعيداً عن الأعمال التربوية المباشرة، أود الإستشهاد قليلا بعمل كارتوني خالد لا غنى للأطفال عنه، «توم وجيري» هذا العمل الرائع المذهل، الذي أجاد وتفانى في توظيفه للموسيقى الأوركسترالية حسب أحداث القصة الكارتونية، وكان استخدام الموسيقى المعبرة عوضاً عن الحوار (بلغة ما) في هذا العمل هو السبب الرئيسي في انتشاره في العالم بأسره. فالموسيقى حقاً لغة عالمية يفهمها الجميع ويدركها بلا سابق معرفة.

خلاصة القول، ان الموسيقى ليست مفسدة.. بل هي على النقيض تماماً، وهي أداة مهملة في العملية التربوية، وواجب القائمين على العملية التربوية في الكويت ليس فقط حماية مادة التربية الموسيقية وفرضها، بل في توظيفها لخدمة المواد الأخرى.
ولمن يصر على معارضة وجود الموسيقى في حياتنا، فليبادر إلى الطبيعة أولا ويقتل كل الطيور المغردة.. إن استطاع