على نمط أفلام المقاولات المصرية (سيئة الذكر) والتي راجت في السبعينيات والثمانينيات، قام المخرج بإخراج هذا الفيلم الأخير والذي تدور قصته حول دكتورة جامعية حاصلة على شهادة الدكتوراه من عاشر أفضل جامعه في العالم ، وتقوم الدكتورة بطرح فكرة تخالف المعتقد السائد ، فتقوم إحدى تلميذاتها والتي لا تزال في مرحلة التحصيل العلمي لتنشر مقتطفات من محاضرة جامعية تم تسجيلها خلسة ، فيهيج الشارع وينقسم كعادته ، وفقا لثقافة الفزعة المتأصلة ، فهو لم ينشأ إلا على ثقافة الرأي الواحد الأوحد.
ولا يحتاج المخرج إلى الكثير ليضيف الإثارة المنشودة في الفيلم ضمانا لنجاحه و إنتشاره بين مراهقي الفكر ، فإثارة الغرائز الدينية أسهل سبيل لذلك في مجتمع الجوامد (الثوابت) لتبدأ بعدها حفلة الردح الوطني على نغم الصبا، فالمخرج يراهن على جهل الشارع (وهو محق في ذلك الرهان) فنجح في إثارته ، فالمجتمع لم يتعلم يوماً أن يقرأ ويبحث (بتجرد) ، فهو أوكل هذه المهمة إلى غيره بوكالة رسمية، ولا يهمه إن كان هذا الموكل صان الأمانة أم خانها ، (آخر همه) على حد وصف أخواننا اللبنانيين .
فلنأخذ مثالا على الضجة المفتعلة حول ما طرحته د. أسيل في تفسير الآية التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا – آية 59 – سورة الأحزاب
صدق الله العظيم
ما طرحته د. أسيل لم يكن رأيا خاصا بها واجتهادا خارج النص، بل هو نقل دقيق وتفسير تاريخي لسبب نزول هذه الآية الكريمة ، بحيث كان القصد من ذلك الأمر هو التمييز ما بين الحرائر من المسلمات وما بين الإماء (حتى وإن كانوا مسلمات) وذلك نظرا لتكرار حوادث الإعتداء عليهم (جنسيا) عند خروجهم لقضائهم حاجة في إحدى الطرق الضيقة ، فجاءت تلك الآية الكريمة ، وأستعير هنا وصف إبن كثير في تفسيره وشرحه لهذا الجزء :
فَإِذَا كَانَ اللَّيْل خَرَجَ النِّسَاء إِلَى الطُّرُق يَقْضِينَ حَاجَتهنَّ فَكَانَ أُولَئِكَ الْفُسَّاق يَبْتَغُونَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ فَإِذَا رَأَوْا الْمَرْأَة عَلَيْهَا جِلْبَاب قَالُوا هَذِهِ حُرَّة فَكَفُّوا عَنْهَا فَإِذَا رَأَوْا الْمَرْأَة لَيْسَ عَلَيْهَا جِلْبَاب قَالُوا هَذِهِ أَمَة فَوَثَبُوا عَلَيْهَا
لم يكن هذا رأي إبن كثير وحده في (سبب) نزول الآية، بل كان هذا الرأي محل إجماع المفسرين الكبار ومن بينهم : الجلالين والقرطبي والطبري والميزان ، فأين أخطأت د. أسيل ؟
إن اعتقدتم برأي آخر فهذا حق لكم، وإن أردتم طرح أدلة أخرى بهذه المسألة فهذا أيضا حق لكم ولكن هناك أدبيات للحوار والنقاش والخلاف يجب أن تتعلموها في البداية، فأسلوب الصراخ والشتم لا ينم سوى عن ضعف الحجة وفقدان ملكة الإقناع ، وهذا اسلوب سهل جدا أن ننتهجه ، ولكننا ننشد الارتقاء بالحوار لا الإنحدار به.
أأسف كثيرا عندما أرى هذا المستوى (الشوارعي) في طرح بعض كتاب الصحف ، والتمادي في قلة الأدب بحجة الانتصار للإسلام وللرسول ولآل البيت ، أأسف عندما أقرأ لبعضهم وهو ينعت الدكتورة بالسفيهة وأتباعها بالسفهاء ، ويتمادى آخر ويختار أشد العبارات البذيئة انحطاطا ويصفها بحكمة عراقية !
أي إنحدار تشهده الساحة الكويتية ؟ أي إنحدار لم تشهده الصحافة الكويتية في تاريخها ؟

كم أأسف عندما أرى شرف الصحافة ينتهك ويدنس من قبل بعض عديمي الشرف وبذيئي اللسان ، كم أأسف عندما أرى هذه اللا مبالاة من قبل ملاك الصحيفة وتخليهم عن واجبهم الوطني والإجتماعي.
لو كان هؤلاء المتعصبين حريصين فعلا على دينهم لتخلوا عن عقلية الفزعة والهدة والعجرة ، لو كانوا حريصين فعلا على دينهم لقرءوا قليلا عن سيرة الرسول وعن كيفية تعاطيه مع اليهودي الذي كان يلقي بالأوساخ عند باب النبي ، وعن غيرها من القصص التي تفيض بها قصص التراث الإسلامي عن مكارم الأخلاق وعن الآداب الإسلامية ، ليتهم قرءوا الآية التي تقول : أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة .
فهل الحكمة التي يوصي بها القرآن هي نفسها (الحكمة العراقية) التي يدعيها هذا الكاتب !!؟؟
* نشرت في القبس بتاريخ 16-5-2009
للتعليق