ما ان تقوم بزيارة إلى إحدى الدواوين تأدية للفريضة الاجتماعية أو الترفيهية، وتستمع إلى ما يطرح من حوار ونقاش بين رواد الديوانية في شتى المجالات حتى تلمس بوضوح كم اللا معقول واللا مقبول واللا مسؤول في الطرح الديواني
الكل يردد ما يسمعه، ولا يعنيه بشكل من الأشكال التحقق مما يقول، والغريب هو تلك الثقة المطلقة بحديثه، بحيث لا تترك لك عباراته مجالا للشك في أي من مكونات تلك القصة، فهو يذكر مؤثرات صغيرة جدا لتضفي هالة المصداقية على حديثه، كما هو الحال عليه لدى بعض كتاب الصحف
أذكر واقعة حقيقية حدثت قبل ما يقارب السنوات العشر، كان الصديق العزيز المطرب الراحل يوسف المطرف (رحمه الله) آنذاك مسافرا إلى احدى الدول الآسيوية وامتد سفره لبضعة شهور، حينها سمعنا من أكثر من مصدر بأن يوسف قام بشراء فيل حقيقي! وقام معه باستئجار سائس ليقود الفيل، وتمضي القصة قدماً إلى ان سمعنا أن يوسف لا يبدأ نشاطه اليومي هناك إلا بعد ان يركب على ظهر الفيل ويقوم بجولة قرب البحر بمصاحبة السائس!
كان خبراً غريباً وصعب التصديق، ولكن التواتر الذي صاحب تلك الرواية جعل منها حقيقة في أذهاننا، فالخبر سمعناه من أكثر من مصدر موثوق به بشكل لا يحتمل التأويل، إلى ان عاد يوسف إلى الكويت، فالتقيناه في ديوانه حال وصوله، فبادره أحد الاصدقاء سائلا عن سبب قيامه بشراء الفيل، فاجابه يوسف قائلا:
«شدراكم، صج ما ينخش عنكم شي، عجبني الفيل وشريته، بس المشكلة ماني عارف شلون أييبه الكويت!!».
طلعت السالفة صج (هذا ما قلته في قلبي) إلى أن بادره صديق آخر بالسؤال عن عمر الفيل وكيفية صعوده على ظهر الفيل! فانفجر يوسف ضاحكاً وقال: «أنا شريت فيل مصنوع من الخشب يبلغ طوله مترا ونصف المتر.. جعلتوا منه فيلاً حقيقياً!»
هذه القصة برمزيتها تعني لي الكثير، انها تكشف لي بوضوح عن مدى المصداقية المفقودة في حديثنا، ولسان حالها يقول: لا تصدق كل ما تسمع، فالرواة الثقات.. ليسوا كذلك!
نشرت في القبس بتاريخ 4-6-2009*