593
هو عدد شهداء الكويت خلال الغزو البعثي العبثي، قد يكون هذا الرقم في نظر البعض خارج وطني رقما صغيرا قياسا إلى عدد ضحايا الكوارث والحروب والغزوات والأعمال الإرهابية، وما شابه ذلك، ولكنه رقم ضخم في نظرنا، ويشكل بقعة حالكة السواد في الذاكرة الكويتية والذكرى الإنسانية للكثير من الاعتبارات، أولها: أن هذا العدد قياسا إلى عدد الكويتيين هو عدد كبير جدا، وثانيها: أن طرق مقتلهم في الغالب، كانت غاية في البشاعة والإجرام، وثالثها: أنهم أبرياء وهم ضحايا لحماقات غيرهم، ورابعها: أننا نولي قيمة كبيرة لكل إنسان على حد السواء.. ذلك حكم الضمير الحي.
ولكن.. ماذا عن 5,143 (خمسة آلاف ومائة وثلاثة وأربعين) قتيلا قضوا نحبهم في الكويت بفعل فاعل، وانطبقت عليهم كل المعايير السابقة؟ والمجرمون يسرحون ويمرحون في مأمن من العقاب؟ قتلوا ضحاياهم بدم بارد، وخلّفوا حسرة ملتهبة لا تخبو في قلوب ذويهم، العدد السابق هو عدد القتلى في الكويت منذ تحرير الكويت (1991) إلى يومنا هذا، ناهيك عن عدد الجرحى فهم أضعاف مضاعفة لعدد القتلى، والرقم في ازدياد تصاعدي يوما بعد يوم.
أما آن لنا ان نقوم بمحاكمة مجرمي حرب «الشوارع» على جرائمهم ضد الأبرياء العزل؟ أما آن لنا أن نردعهم.. وذلك أضعف الإيمان؟ نشاهدهم يوميا في شوارعنا باستهتارهم ولا مبالاتهم يحصدون المزيد والمزيد من الضحايا، ونكتفي بأن نكون جمهورا بليدا متبلد المشاعر، يشاهد مشاهد تلك المسرحية الدموية، والعرض يستمر على مدار السنة، فمن فاته مشهد فسيشهد مشهدا آخر، وغاية أملنا ألا يختارنا القدر لنكون ضمن عناصر مشهد الغد.

من المسؤول؟ كلنا مسؤولون؟! هذا كلام سخيف لا طائل منه ينشد تعويم المسألة لا تقويمها، فالحقيقة الدامعة اللامعة تقول ان الحماة هم الجناة، بدءا من «الواسطة» في منح رخص القيادة لأطفال لا يعرفون أبجديات القيادة، مرورا بعدم أهلية رجال الشرطة. فالفساد والواسطة والانتقائية تغمر الغالبية العظمى بمختلف الرتب من أدناها إلى أعلاها، مرورا بالمطاردات والمعاكسات اليومية التي تشهدها شوارعنا عموما وشارع الخليج خصوصا الذي لا يخلو يوما من الكوارث المرورية، مرورا بالمخالفات «الوديعة» لمن يتجاوز السرعة المحددة أو يتخطى الإشارة الحمراء، ويعرض حياته «طز» وحياة غيره إلى خطر انتهاء الوجود أو خطر الإعاقة الدائمة، هل يظن السادة المسؤولون أن تلك العقوبات تشكل رادعا؟

بافتقادنا للمعلومات الرسمية التي تدلل على سلوك السائقين، قررت أن أستقصي بنفسي عما أريد من معلومات، فقمت خلال الأسبوع الماضي بمتابعة مائة سيارة قامت بالانتقال من حارة إلى أخرى مع حصر عدد السواق الذين قاموا باستخدام الإشارة الضوئية قبل الانتقال، «طاقين إشارة» مثلما نقول بالعامية، وكان ذلك على خط الدائري الثالث، وكنت أهدف إلى معرفة نسبة الملتزمين بذلك، تلك المسألة هي من الفروض لا النوافل، واسألوا دولة محترمة «مروريا» للتحقق من ذلك.
اثنان؟ نعم اثنان.. اثنان فقط هما من قاما باستخدام الاشارة الضوئية قبل الانتقال من حارة إلى أخرى، صدق أو لا تصدق؟ هل تظنون أن شركات السيارات قامت بوضع تلك الإشارات على اليمين واليسار لمجرد الاستخدام في الفحص المروري السنوي لتجديد دفتر السيارة؟ أم تظنون أن وجود الإشارات لمجرد اللعب والترفيه؟
عذراً يا ضحايا شوارع الكويت، أنتم ضحايانا ونحن من قتلناكم بصمتنا ولا مبالاتنا، عذراً يا سادة فغاية ما نقدمه هو بضعة قطرات من الدمع يوم رحيل أحدكم، ليعود الوضع كما كان عليه.. ويعود مجرمونا لمزاولة النشاط.
***
هذه المقالة مهداة إلى روح ابن عمتي: عبدالعزيز محمود أشكناني رحمه الله، وإلى كل ضحايا حرب الشوارع.
نشرت في القبس بتاريخ 6-8-2009*
لـلـتـعـلــيــــق