
نص مقابلتي مع الدكتور طارق حجي
(نشرت في جريدة الجريدة بتاريخ 14-6-2009)
***
طارق حجي .. في سطور
ولد في مدينة بورسعيد المصرية سنة 1950.
كانت دراسته في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، ثم بجامعة جنيف في سويسرا.
عمل في الفترة ما بين 1971-1979 مدرسا للاتفاقيات الدولية بكليات الحقوق المغربية.
تقلد منصب الرئيس لشركات شل العالمية للبترول في منطقة الشرق الأوسط مدة عشر سنوات في الفترة الممتدة ما بين 1986 إلى 1996.
تفرغ منذ 1996 لإدارة شركته الخاصة (تانا لبترول الشرق الأوسط- المملكة المتحدة) ولممارسة أنشطته الثقافية المتعددة.
نظرا الى اهتماماته الواسعة ومحاضراته العديدة في مجال مقارنة الأديان والتاريخ الديني فقد أسست جامعة تورنتو الكندية منحة للدراسات العليا باسمه هي «منحة طارق حجي للدراسات العليا في أبحاث الأديان المقارنة».
حاضر بأقسام الدكتوراه في دراسات الشرق الأوسط بجامعات اكسفورد ولندن وبرينستون وكولومبيا وكاليفورنيا بيركلي وميرلاند وكولورادو وروتردام وطوكيو في كل من «الولايات المتحدة/بريطانيا/هولندا/اليابان»، كذلك حاضر في مقر الأمم المتحدة في الشهر الماضي عن «انزواء البدائل وصعود الإسلام المحارب».
حائز على جائزة «غرينزين كافور» الإيطالية العالمية في الأدب عن عام 2008، وهي واحدة من أهم كبريات الجوائز الأدبية في العالم، وقد منحت لأربع شخصيات أدبية حصل كل منهم بعد ذلك على جائزة نوبل في الأدب.
أُختير لعضوية مجالس إدارات ومجالس أمناء عشرات من مراكز البحوث والمؤسسات الثقافية في الولايات المتحدة وكندا ومصر من بينها عدد من دور الأوبرا العالمية
يمتلك واحدة من أكبر مجموعات الفنون التشكيلية في مصر (لفني التصوير والنحت) كما يمتلك واحـدة من أكبـر المكتبـات الخاصة في العالـم 32,000 مجلد وكتاب
المقدمة
الحديث مع شخص (موسوعي المعرفة) مثل طارق حجي هو حديث شيق تتمنى أن لا ينتهي ، فالحديث معه يتشعب دوماً إلى آفاق عقلية مجهولة وغير مأهولة في شتى المجالات المعرفية ، يأتيك حديثه مدعوما بفيض جارف من الخبرتين العلمية والعملية ، أو فلنسميها الخبرتين الأكاديمية والميدانية.
حصر فكر هذا الرجل هو ضرب من الخيال ، ومن هنا ارتأيت أن تكون محاور هذه المحاورة كالشذرات المتناثرة (صغار اللؤلؤ) محاولاً الإمساك بما تيسر من تلك اللآلئ الثمينة.
الحوار
قيل عنك الكثير وكتب عنك الكثير ، ولعلي لا أجد وصفا لطارق حجي أبلغ من ما كتبه مأمون غريب في مجلة آخر ساعة واصفا طارق حجي بأنه يكتب بعقلية عالم وإسلوب أديب ومنطق فيلسوف ، وأضيف شخصيا بأن كتابات طارق حجي غزيرة في كمها ، ولكنها أكثر غزارة في نوعها ، لدرجة أنك لا ترى لها قاعا ، فكلما تأخذ نفساً وتغوص في مضمونها وفي فكر هذا الرجل تجد المزيد والمزيد من اللآلئ الثمينة بين ثنايا كلماته وعباراته ، طارق حجي يتعامل مع الكلمة بحرفية قل أن تجد لها مثيلا في الكتابات العربية ، فلا تجد بين حروفه (حروفا محشية) أي لا لزمة لها .
أختم مقدمتي بالقول بأن أبرز ما يميز طارق حجي هو قدرته الفائقة على إحتواء الجميع وكسب الجميع ففكره قائم على إحترام الآخر والحرص على إحتوائه بدلا من التصادم معه ، فكما دافع عن حقوق الاخوان المسلمين في مصر في شأن إضطهادهم ، دافع عن حقوق الأقليات المسيحية في مصر والشيعية في السعودية والكردية في العراق ، إنسجاما مع موقفه بشأن حقوق الإنسان كائنا من كان و أينما كان.
أبدأ حواري بمحور القضايا جميعها وأهمها على الأطلاق ، ألا وهو موضوع الإصلاح ، والذي تتركز عليه غالبية كتاباتك ، ذكرت في إحدى كتاباتك بأن الشك لا يعتريك في أن نقطة البداية والإنطلاق في شأن الإصلاح هي توفر الإرادة السياسية للتغيير إما لدى الحكام أو لدى قادة منظمات الفكر المدني ، ما الحل مع العلم بعدم وجود تلك الرغبة المنشودة لدى من سبق ذكرهم ؟
في البداية أنا أرى أن التاريخ يقول لنا أن التقدم والنهضة أحرزا بإسلوب من أسلوبين :
الاسلوب الأول
إسلوب تم في أوروبا الغربية عبر خمسة قرون ، وأسميه من باب المزاح ومن باب الجد أيضا اسلوب الطهي البطيء ، الطهي على نار هادئة ، أوروبا خرجت من العصور الوسطى وكانت النقطة المفصلية في ذلك هي أنها لم تنكر الدين وإنما قالت لا لرجال الدين ، منتهى الظلم عندما نتهم الغرب بأنه قضى على الدين أو حاربه أو سعى إلى ذلك ، نسبة التدين في الولايات الأمريكية قد تكون مماثلة لنسبة التدين في المملكة العربية السعودية ، ولكن هناك فارق في شكل التدين ، التدين في الغرب منذ عصر النهضة ومنذ انفجر الصراع بين العلم والدين في أوروبا ، تحول إلى شأن شخصي ونزعت إدارة المجتمع من يد رجال الدين ، المشكلة لم تكن في الدين وإنما كانت دائما في طبقة رجال الدين ، طبقة رجال الدين في الدين اليهودي هي التي خلقت التلمود ، طبقة رجال الدين في الدين المسيحي (وبالذات في روما) خلقت الكهنوت في أشد صوره ، طبقة رجال الدين عندنا هي التي تقف حائلا ما بيننا وبين التقدم ، إذن فإن اسلوب الطهي البطيء على نار هادئة إستغرق خمسة قرون حدث خلالها حراك سياسي وإجتماعي وثقافي وصل بأوروبا إلى ما وصلت عليه .
الاسلوب الثاني
حدث في عدد من دول شرق آسيا ، والآن تجاوز شرق آسيا إلى دول أخرى ، وهو الإسلوب الذي أسميه بالطهي السريع وكأنك تستعمل ( المايكروويف ) ، عن طريق الإرادة السياسية والبوصلة (الإسطرلاب) المتجه إلى التقدم تحدث التقدم بين عقد وثلاثة عقود من الزمان ، سنغافورة دليل على ذلك، كوريا الجنوبية دليل آخر ، وهناك عشرات الأدلة في آسيا وغيرها في أفريقيا وفي أمريكا الجنوبية والآن حتى في أوروبا الشرقية.
إذن نحن أمام إسلوبين ، أعتقد أننا لا نريد الاسلوب الأول ، لأننا لا نريد أن نبدأ رحلة سوف تستغرق خمسة قرون ، أيضا نحن لا نضمن أن الرحلة الطويلة ستصل إلى المرام ، لماذا ؟ لأن لدينا عناصر أخرى الآن ، أوروبا بدأت رحلتها عندما أودعت رجال الدين لا إلى السجون ولا إلى المستشفيات ، إنما دور العبادة ، وقالت له بأن سلطته هي في تلك الدور ، وليس في إدارة المجتمع ، لأن المجتمع سيكون مفتوح الآفاق لمثل أديسون وأنشتاين وغيرهم من النوابغ والعلماء والمبدعين ، وسيقال لهم أن السماء مفتوحة أمامكم والأفق هو الأفق الأعلى للإبداع ، من يريد أن يكون مكتشفا للجراثيم مثل (باستير) فليعمل ، من يريد أن يكون مكتشفا للمضادات الحيوية مثل (فليمنج) فليعمل ، ولن يقول لهم أحد أن هناك شروط شرعية لتلك الأمور (العلمية)، ولن يشترط أحد عليهم الحصول على موافقة رجال الدين على تلك الأمور.
نحن نريد أن تحدث النهضة في مجتمعاتنا خلال عقد أو عقدين أو ثلاثة عقود ، هذا يستلزم منا أن نقول ماذا نقصد بالنهضة ، النهضة في رأيي تعني مسايرة أفق التقدم الأعلى في كافة المجالات ، بمعنى أن الحضارة الغربية بروافدها الحالية (لأن اليابان الآن –على سبيل المثال- جزء من الحضارة الغربية) لها تقدم في العلوم التطبيقية والإجتماعية ويواكب ذلك أيضا تقدم في الإنسانيات (في أشكال الإبداع مثل الفن والأدب) ، نحن نريد أن نلحق بركب التقدم في تلك الآفاق العلا ، في مجالات العلوم التطبيقية والعلوم الإجتماعية والإنسانيات ، ونريد أن لا يحدث ذلك في خمسة قرون ، ونتمنى أن يحدث خلال فترة لا تتجاوز الثلاثة عقود ، هذه ببساطة الصورة العامة كما أراها.
ولكن هل أنا واثق من أن حدوث التقدم في فترة قصيرة ممكن ، أنا لست واثقا لأني أشك في وجود إرادة التغيير على المستوى الأعلى (الإرادة السياسية) والآن أصبحت أشك في وجودها حتى في الطبقات الدنيا (الإرادة الشعبية) ، بمعنى أن هناك مجتمعات عربية الآن ، حكوماتها (الغير ديمقراطية) أكثر تقدما من الشعوب وقد تكون هذه الحكومات والشعوب في علاقة جدلية ، فقد يكون الوضع السئ لتلك الشعوب هو من صنع تلك الحكومات ، ولكني أرى أمام عيني أكثر من 4 حالات في الوطن العربي تسبق فيها الحكومات شعوبها وتريد أن تحدث الإنجاز ولكن الشعوب تشد الحبال إلى الخلف .
وتتضح الصورة أكثر عند النظر إلى مجتمعات الثراء (الخليجيه على سبيل المثال)، فمن السهل أن يقنع الخليجي نفسه بأنه لا يريد من أوروبا إلا منتجات الحضارة من السيارة والطيارة والتلفون والتلفزيون والدواء وغيرها ، أما ما عدا ذلك من أفكار فهو في غنى عنها ، يستطيع الخليجي أن يقول ذلك ببساطة لأنه مقتدر ماديا بفعل النفط (القابل للنضوب) الموجود في باطن أرضه وباستطاعته تحمل تبعات ذلك القرار في الظروف الراهنة (مؤقتا).
ولكن بقليل من الشرح نستطيع أن نثبت له بأن تلك المنجزات والمنتجات المادية هي نتيجة للبيئة العلمية والثقافية والفكرية في مجتمعاتها ، وأنا صاحب مقولة أرددها دائما بأن السيارة الألمانية (المرسيدس) أجود ما فيها هي الفكرة وليست السيارة بذاتها ، كما هو الحال في الأهرامات على سبيل المثال ، فالأهم من عمال البناء هو صاحب التصورات الهندسية الأولى وتفكيره في الزوايا المنضبطة والمساحات وعلاقة القاعدة بالقمة وعلاقة الصورة الأرضية بالصورة السمائية (لوجود علاقة بين النجوم في السماء وقاعدة الهرم) ، ما أقوله أن هذه الأفكار هي ثقافة وليست علم .
عودة إلى صلب السؤال .. ماذا نفعل ؟ مع وجود هذا الشك في توافر الإرادتين السياسية والشعبية للإصلاح والنهضة والتغيير ، علينا أن نفترض أننا قد ننجز إذا بذلنا الجهود وفعّلنا مشروع الإصلاح في كل المجالات ، في مجالات الثقافة والإعلام والتعليم والمجتمع المدني وغيرها ، لماذا ؟ لأننا لا نعرف من أين ستأتي الثغرة التي سينفذ منها الضوء ، نحن الآن نرى بأن الحائط ليس به ثغرة ينفذ منها الضوء ، ولكن يجب أن نتعامل مع الحائط على كل المستويات وكأنه قدر ، فليعمل كل منا حسب إمكانياته وإستطاعته ، و نصحيتي أن لا يشغل أحد نفسه بالتغيرات النوعية فهي فوق طاقتنا ، ولكن كل واحد منا يبني بمجموعة قليلة من الطوب (الطابوق) المتوافر لديه الجزء الذي يستطيع أن يبنيه ، والتاريخ يعلمنا بأن التغيرات الكمية والنوعية هي محصلة التراكم الصغير ، فقانون الفيلسوف الألماني (هيغل) في الجدلية يقول بأنه لا توجد هناك تغيرات كيفية وإنما التغيرات الكيفية هي عبارة عن مجموعة من التغيرات الكمية .
يضرب مثال مضحك يقول أنه لا يوجد هناك رجل أصلع ، ولكن هو فقد في كل يوم بضعاً من شعرات رأسه إلى أن أصبح أصلعا ، ففي التغير النوعي هو أصبح أصلعا ، في حين أنه في كل يوم كان لديه تغير كمي بفقدانه عدد بسيط من شعره ، ومن مجمل التغيرات الكمية وجد تغيير كيفي في النهاية فأصبح أصلعا !
ذكرت إصطلاح (الإصلاح) مرارا ، تستوقفني مسألة مهمة هنا (فكل يدعي الوصل بالإصلاح .. والإصلاح لا يقر لهم بذاك) ، ألا تعتقد بأن معنى الإصلاح قد أفرغ من مضمونه في مجتمعاتنا ؟
في الحقيقة لو أتيحت لي الفرصة لإستعملت إصطلاح الحداثة عوضا عن الإصلاح ، لأنني أوافقك تماما لأن الجميع من أقصى اليمين الديني الأصولي إلى الماركسي إلى الليبرالي يدعي أنه يريد الاصلاح ويعمل من أجله !! ، ولكن ما أقصده أنا من الاصلاح هو اللحاق بالعصر ، واللحاق بالعصر يعني أن نكون تعليميا وعلميا وإداريا وثقافيا وفنيا في حالة لحاق بالعصر ، هذا يجعلنا تحت كلمة الحداثة أكثر من كلمة الإصلاح ، فكلمة الإصلاح كلمة مائعة تماما أنت معك حق في ذلك ، فكلمة الإصلاح تعطى في بعض الأحيان بعدا دينيا : لا أريد إلا إصلاحا ! ، أو كما هو الحال لديكم في جمعية الإصلاح الإجتماعي (الدينية).
ولكن أنا أخشى من استخدام الإصطلاح الحقيقي الذي أعنيه وهو الحداثة Modernity لأن أعداء هذه الأفكار في واقعنا هم بلا حصر، إذن دعني أوضح بأن ما أقصده من الإصلاح هو الحداثة.
خلال حديثك تطرقت إلى طبقة رجال الدين المسيحي في العصور الوسطى في أوروبا ودورهم السلبي في تلك المرحلة من تاريخ أوروبا ، برأيك ما هي السمات والقواسم المشتركة ما بين طبقة رجال الدين المسيحي في تلك الحقبة وبين طبقة رجال الدين الإسلامي في عصرنا الحالي في مجتمعاتنا ؟
هناك تماثلات وتشابهات ومضاهاة بلا حدود ، ولكن دعني أقول لك وللقراء شيئا مسليا ومضحكا ، فلنترك رجال الدين المسيحي على جنب ولنذهب إلى رجال الدين اليهودي ، سأقدم لك معلومة قد تبدو غريبة وتجعل الناس يضحكون ولا يصدقون ولكنها حقيقة كاملة ، فأنا أمضيت خلال الثلاثين سنة الماضية أولي جزءا كبيرا من وقتي لدراسة الدين اليهودي .
ولأضع القارئ في الصورة ، فالمراجع لدى اليهود هي التوراة والتلمود ، ولأوضح الصورة أكثر للقارئ العربي المسلم ، فالتوراة بمثابة القرآن والتلمود بمثابة كتب الحديث والفقه مجتمعين ، فالتلمود يتكون من كتابين هما الجمارا (بالجيم المصرية) والمشنة ، أحدهم للأحاديث والآخر لشروحات الأحاديث والفقه.
تصور أن هناك طوائف يهودية تقول بأن الله (عز وجل) ماذا يفعل في يوم السبت ؟ يزعمون بأنه يستذكر التلمود ! (تعالى سبحانه عما يصفون) ، بالرغم من أنهم يدركون بأنه ليس مؤلف التلمود ، فمن ألف التلمود هم الحاخامات (أي عباده) ! ، انظر إلى أي حد يصل نفوذ رجال الدين ، في دين من الأديان السماوية يجرؤ البعض على أن يقول بأن الله يقضي يوم السبت، وما أدراك ما يوم السبت عند اليهود فهو يوم (الشابات) الذي لا يجب فيه على أي إنسان أن يفعل شيئا سوى التفكر بالله ، يزعمون بأن الله يقرأ ما كتبوه هم !
هذا يعطيك مثالا أنه إلى أين يستطيع رجال الدين (أي كان الدين) أن يأخذونا بتغييب آلية النقد في المجتمع وفي احتكارهم لتفسير الدين والنصوص الدينية
رجال الدين المسيحي كانت لهم قيادة المجتمع الأوروبي في عصوره الوسطى بظلامها ، حيث كان العلماء يقتلون إن قال أحدهم بأن الأرض كروية ، أو أن الأرض ليست مركزا للكون ، أو أن الشمس لا تدور حول الأرض وإنما العكس فقط ، هناك من ماتوا من أجل تلك الأفكار عندما كان الكهنوت Clergy يسيطر على الحياة العامة ، عندما حدث الصراع بين طبقة رجال الدين وبين العلم ، انتصرت العلمانية (اي العلم وليس الكفر) عندئذ فقط تحرر العقل الأوروبي فتحقق عصر النهضة وتحقق ما نحن فيه الآن.
كل الإنجازات التى تراها العين بمجرد أن تتلفت و تحدق بالأشياء هي ثمرة أن رجال الدين نزعت منهم سلطة قيادة المجتمع ، ولا يعني ذلك إقلالا من شأنهم فنحن نحترم الدين ، الدين مصدر أساسي للقيم ولكنكم لن تحتكروا تفسيره وتوظيفه سياسيا لتديروا المجتمع بإسم الله .
نحن الآن أمام مشهد في غاية التناقض والغرابة ، نقول بأن الإسلام ليس به طبقة رجال الدين ، ونعيب على المسيحين عصورهم الوسطى ولكن في الحقيقية أن السنة والشيعة كلاهما على السواء يدلاننا الآن على وجود طبقة رجال الدين بامتياز مع مرتبة الشرف ، يكفي أنك تفتح التفاز في المساء لتسمع الحوارات ، الناس يسألون رجال الدين عن كل شيء ، عن ركوب السيارة والطيارة والسباحة وزرع الأعضاء ونقل الدم وزرع الكلى ، والمصيبة أن رجل الدين (البسيط بتكوينه العلمي والمعرفي) والذي لا يستطيع أن يقرأ صفحة واجدة لكتاب جاد لأرسطو أو للفارابي أو لسارتر أو لابن رشد تجده يبت في كل الأمور ، ما الذي يحدث ؟ هو يتحول إلى حاكم في الحقيقة وليس رجل دين ، هو يقول ما الذي يجب وما الذي لا يجب ن هو من يقول لك لا تضع نقودك في هذا البنك وضعه في بنك آخر ، فهو الذي يعطينا تعريفا للربا في حين أنه يجهل أبجديات الإقتصاد ولا يعرف ماذا يعني التضخم الذي يبطل ثلاثة أرباع ما يقول ، وهو الذي يحدد للناخب من يختار في المجلس التشريعي (مجلس الأمة) ، بل خذ مثالا آخر عندما كانوا يعارضون مشاركة المرأة في العملية السياسية في الكويت وكانوا يعتبرونه رأيا شرعيا أي حكما إلهيا ، وتجدهم الآن تنازلوا عن تلك الآراء عندما رأوا بأن معطيات اللعبة قد تغيرت !!
إذن ما أقوله هو أن وجود طبقة رجال الدين (أيا كان إسم الدين) تنتهي بنا إلى وجود طبقة من الرجال أرى بأنهم من أنصاف وأرباع وأخماس المتعلمين والمثقفين وتحكم في كل الأمور ، المشكلة مع هذه الطبقة وليست مع الدين ، فهناك مثال من التاريخ الإسلامي على أن في أزهى فترات العصور الإسلامية كان هناك طرحا (إسلاميا) خالصا يفوق بحداثته الطرح الإسلامي الحالي ، فإبن رشد عالم إسلامي وفيلسوف وكان له طرح سابق لعصره بكثير ، فشتان ما بين الطرحين فالفرق بينهما شاسع للغاية وكلاهما إسلام .
يغفل الكثيرين في مجتمعاتنا عن تراث العالم الجليل المسلم (إبن رشد) ، نظرا لإعتمادهم على الثقافة السمعية عوضا عن المطالعة الجادة (وهذا مبحث آخر) ، بالرغم من تردد إسم هذا العالم كثيرا على لسان طارق حجي إعترافا من بفضله على العقل والفكر و المسيرة الإنسانية ، هل لنا أن نعرف على لسان طارق حجي أبرز ملامح فكر إبن رشد وما يميزه عن غيره ؟
أولاً دعني أشكرك على هذا السؤال لأن مراجعتي لما يكتب ويقال عن إبن رشد تحتم هذا السؤال ، يجب أن ننتقل الآن من العموميات إلى الخصوصيات ، تلخيصي لفكر إبن رشد يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً :
يؤمن إبن رشد بأن الله مطلق الحكمه وبما أن الله مطلق الحكمة فإن كل أوامر ونواهي الله يجب أن تكون مطلقة الحكمة ، وبالتالي فإن أي فهم لأوامر إلهية ينتهي إلى أوامر غير حكيمة فإنه لا بد أن نكون نحن من أخطأنا الفهم ، ومن هنا جاء عنوانه الرائع (فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من إتصال) ، أنه لا يمكن أن الشارع الحكيم يطلب شيئا غير حكيم ، ولكن من الممكن أن يخطأ الوسيط ما بين النصوص الإلهية وبين الناس ، الوسيط هو نحن البشر ، والفقهاء هم بشر بالطبع .
فكما يقول الإمام أبو حنيفة : علمنا هذا رأي فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه ، هذه العبارة الرائعة هي بمثابة الإقرار والاعتراف بأنه وغيره من الفقهاء يقومون بعمل بشري قابل للخطأ ، إذن فالنقطة الأولى هي أن إبن رشد يقول لا يمكن أن نروج لأوامر أو نواهي ربانية غير حكيمة وإذا روج أحد لذلك فذلك يعني أنه هو من أخطأ .
ثانياً :
إبن رشد قيمته الحقيقية أنه يضاهي أرسطو في الحضارة الغربية ، أرسطو أعلى من قيمة العقل ، أيضا إبن رشد أعلى من قيمة العقل ، أي أن العقل عند إبن رشد مصدر من مصادر فهم النصوص الشرعية ، بينما يرى أتباع إبن حنبل وإبن القيم الجوزية وإبن تيمية بأن النص يفسر بالنص ، وكي نصل إلى مفهوم فإننا لا نستعمل إلا النصوص ، لذلك كان الفرق بين المدرستين ، المدرسة العقلية ، والمدرسة النقلية ، أو العقل مقابل النقل.
عند إبن رشد (وهو ما أؤمن به) أن العقل هو سيد الحياة ، نحن نعرف الله بالعقل ، ونفهم نصوص الله بالعقل ونحكم أمورنا بالعقل ، ونرى أن بعض النصوص في الكتب المقدسة كانت إبنة ظروف معينة وأزمنة معينة بالعقل ، ولسنا في ذلك بغرباء أو آتين بشئ جديد ، لقد قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه المثال على أن ذلك ممكن في كل الأوقات .
عمر بن الخطاب الذي عاش معظم سنوات البعثة المحمدية وكان من أقرب المقربين ، كان أولى به أن لا يعطل النصوص القرآنية الصريحة ، ولكنه فعل ، لن أستشهد بما فعل في حد الردة في عام المجاعة لأن هذا كلام نسبي ، ماهي المجاعة ومتى يكون الناس فقراء ؟ ولكن سنأخذ الناس إلى حالة واضحة ولا غبار عليها ، القرآن ينص على أن المؤلفة قلوبهم يأخذون 20% من الفيء (من بيت مال المسلمين)، جاء عمر بن الخطاب (الخليفة الثاني) إبان حكمه فقال : لم نعد بحاجة إلى المؤلفة قلوبهم ، فليذهبوا حيثما أرادوا ، رغم وجود النص القرآني المباشر والواضح ، إلا أن عمر رأى بأنهم لم يعودوا بحاجة إلى المؤلفة قلوبهم ، إذا أصبحنا (رشديين) فسنطبق هذا الكلام على نطاق واسع .
هذا ردنا على من يصرون على نبش كتب التاريخ والتراث ليجدوا نصا يفسرون به نصا آخر ، ومن يصرون على معرفة رأي السلف الأول الصالخ ، رغم أن فكرة السلف هي فكرة في غاية الغرابة ، كيف يقولون بأن جيل أفضل من جيل ، هذا الكلام مرفوض عقلا.
دعني أحدثك بقصة طريفة بهذا الشأن ، في إحدى محاضراتي في الجامعة بدأت المحاضرة بالتالي :
قلت للجمهور بأني سأقرأ لهم نص كتب قبل أسابيع قليلة ، ثم سنبدأ الحوار إنطلاقا من هذا النص ، قرأت النص التالي : لقد تغيرت الأيام وصار الصغار لا يحترمون الكبار ، وصار الإبن لا يقدر الأب وصارت الأم لا تحترم أمها ، أين أيام الماضي الجميلة ، عندما كان الصغير يحترم الكبير وعندما كان الصغير مؤدبا ويعرف حدوده .... واسترسلت في قراءة النص بالمضمون ذاته.
وبعد ان إنتهيت قلت لهم بأن كل جيل يقول عن الجيل الذي يأتي بعده هذا الكلام ، ودليلي على ذلك أن النص الذي قرأته لكم قبل قليل هو من البروتية الفرعونية المكتوبة سنة خمسة آلاف قبل الميلاد !! ، وهي موجودة في متحف اللوفر في فرنسا ، هذا دليل واضح على أنه لا يوجد جيل أفضل من جيل ، الأجيال تختلف ولكنها تتنوع في الخلاف ، وقد تكون مختلفة في أمور ولكنها أفضل في أمور أخرى ،
فكرة السلف قائمة على التجميد Freezing بأن هناك ناس أفضل من غيرهم ، هذا الكلام ليس له أساس (علمي) يستند عليه.
ثم أن هناك نقطة مهمة أشدد عليها وهي أن إبن رشد كفقيه كان قاضيا وفيلسوفا وطبيبا وعالما وأديبا ، حاله كحال الفارابي وإبن سينا من علماء تلك المرحلة الزاهرة التي كان العلماء بها يجمعون ما بين مجالات عدة من مجالات المعرفة ، ولكنهم أيضا كانوا يجمعون العلوم التطبيقية بالعلوم النظرية ، يعني الرازي (على سبيل المثال) كان فيلسوفا وطبيبا ، فكتابه (الحاوي في الطب) كان يتكون من ثلاثين مجلدا وكان أيضا فقيها ومفكرا ، نحن ننشد هكذا رجال دين لا إلى رجال دين يدلون برأيهم في كل شيء وهم لا يعرفون شيئ.
ثالثاً :
كان إبن رشد (كفقيه) يؤمن بالتأويل وليس بالتفسير ، والتأويل أوسع من التفسير ، فعندما تقرأ الآية رقم (38) من سورة المائدة :
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
صدق الله العظيم
عند أهل التفسير نريد أن نفهم ماذا تعني كلمة إقطعوا ، وماذا تعني أيديهما ، وهل هي اليد من الأصابع أم من الرسغ أم من نصف الساعد أم من الكوع أما ماذا ؟ ، فالفرق بين كل حالة من ما سبق هو فرق كبير جدا ولا يحتمل أن يجتهد فيه.
في حين أن إبن رشد يذهب بعيدا في (تأويله) لهذه الآية فيقول : حولوا ما بين أيديهم وبين السرقة ، هذا نوع من قطع اليد ، إذن فالتأويل هو أن تستعمل المكنة الثانية فيما وصفته وهي (العقل) في الفهم ، أو كما يسمى في المدارس القانوية الأوروبية بالتفسير الواسع للنص .
النقاط الثلاث السابقة هي تلخيصي لفكر العالم الجليل إبن رشد ، رائد العقل في تاريخنا الإسلامي.
لك تشبيه جميل في إحدى كتبك بشأن المرأة ، فتشير إلى أن مجتمعاتنا تعدو بقدم واحدة ، هل تعتقد بأن ثقافة التمييز الذكوري في مجتمعاتنا مستمدة من الدين أم إلى فهم خاطئ للدين أم إلى العادات والتقاليد ، أم أن هناك مزيج بين ما سبق ؟
أنا ممن يؤمنون بأنه لا وجود لكلمة (الدين) وجودا مطلقا مجردا منبت الصلة بمستوى فكر وثقافة من يفهمه ، وبالتالي فأنا أرفض أن يكون مصدر الثقافة (التمييزية) الذكورية هو الدين ، فالنصوص المجردة لا تؤدي إلى أي شيء ، هناك نصوص تستطيع أن تستشف منها تفضيلا للنساء ، وأخرى تستطيع أن تستشف منها تفضيلا للرجال ، دعني أقول بأن الموضوع برمته هو في فهم معين للدين ، وبالطبع هو يمتزج مع العادات والتقاليد ، فأنا عندما أقرأ بعض فتاوى العلماء المسلمين (الخليجيين) أرى بيئتهم الصحراوية التي يستمدون منها فهما معينا للحقوق والواجبات ، فأنا أرى بوضوح عقلية المفتي الذي غالبا ما يكون وفيا لعاداته وتقاليده في المقام الأول والأخير ، فهو لا يزال ينظر إلى الآخر وإلى المرأة وإلى المال والقيم نظرة لا تختلف عن القيم المستمدة من العادات والتقاليد المتوارثة منذ مئات السنين.
عندما كنت بالخليج ، كنت أرى بأن التغيير الحقيقي (بالرغم من وجود بعض البوادر الإيجابية) ستطول مدته كثيرا ، الناس في الخليج متقدمين ماديا ، فهم يركبون أحدث السيارات ويستخدمون أحدث الأجهزة ويلبسون أجمل الثياب ولكنهم لا يزالون (كحال غالبية شعوب الشرق الأوسط) متخلفين ثقافيا فنظرتهم للأمور وللقيم على وجه الخصوص تدلك على أن التوافق معدوم ما بين حالتهم المادية والثقافية، وهو ما ينذر بالخطر.
وأضيف إلى ذلك سببا آخر وهو أن المنظومة التعليمية لم تنجح في معالجة الفهم الخاطئ المستمد من العادات والتقاليد ، فهي لم تكسى بإرادة التغيير.
ولا تنسى علاوة على ذلك أن الثقافة الذكورية التي حكمت لآلاف السنين ساهمت في تكوين عقلية نسائية ملائمه لهذه المنظومة ، فأنا أعرف أن الكثير من النساء في الكويت يعارضن (حقوقهن) السياسية ويستصغرن أنفسهن كثيرا ، وهذا يعني أن العقلية الذكورية نجحت إلى حد كبير في تشويه عقل المرأة وتوجيه اهتماماتها إلى أمور ليست ذات أهمية.
ذكرت في أكثر من مرة مصطلحي النفطيون الجدد والنفطيون القدامى ، وذكرت بأن الكويت والسعودية يصنفان ضمن النفطيون القدامى الذين أضاعوا فرصا كثيرة ، برأيك ما هي الفرص التي أضعناها في الكويت خاصة ؟
كما ذكرت لك في بداية حديثنا أن جيلي رأى من الكويتيين والكويتيات في الستينيات ما كان أقرب للحداثة من معظم الشعوب العربية ، وذلك يرجع لأن الكويت بدأت في تنمية النفط مبكرا ، ووظفت العوائد في إنشاء المدارس وإرسال البعثات ، ولدي مؤلفات كثيرة بشأن تلك البعثات بصور من ذهبوا إلى بريطانيا وغيرها في الخمسينيات، ولدي بعض الصور في عام 1956 التي عندما تراها لا تتصور بأنها تعود إلى تلك الفترة ، بل تظن أنها آتية من المستقبل .
الكويت على رأس قائمة النفطيون القدامى ، لأن السعودية حالة خاصة ولديها مشكلة من الداخل في العلاقة ما بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، الكويت كانت متحررة من ذلك الإرتباط ، وقامت على أسس مؤسساتية رائعة للدولة ، فسلطات الأسرة الحاكمة في الكويت مقيدة و ليست مطلقة كما هو الحال في بعض الدول الأخرى ، وهناك دستور واضح المعالم يحدد الحقوق والواجبات لكل من القيادة السياسية والشعب ، في الكويت بإستطاعتك أن تنقض وترفض أوامر أميرية عن طريق مجلس الأمة .
ولكن للأسف فإن هذه الأسس المؤسساتية كانت أكثر تطورا من ذهنية البشر ، لذلك ما أن حدثت بعض المتغيرات الإجتماعية في التركيبة السكانية بحملة التجنيس ( الكمية لا النوعية ) التي قامت في السبيعينيات وجزء من الثمانينيات، حتى كشف سريعاً عن ضعف أساسات البناء الكويتي.
لي تشبيه بهذا الشأن وهو أن الكويت تتكون من شقين مكملان لبعضهما ، هما الـ Hardware والـ Software ، يتكون الـ Hardware من البنية التحتية والطرق والمباني والمصارف والمؤسسات وغيرها ، تلك الأمور استنزفت كثيراً من ميزانية الكويت على حساب الـ Software المتمثل في التنمية البشرية ، فلم يبذل للإنسان الكويتي جهدا موازيا لذلك الذي تم بذله في المنشآت المادية ، فكانت النتيجة الحتمية وهي تخلف الذهنية عن مواكبة العصر .
ولا يخفي على عاقل أن أساس التنمية البشرية يكمن في وجود مؤسسة تعليمية حقيقية مواكبة للعصر ، فلا يزال طرح البعض (كنواب مجلس الأمة) حول المؤسسة التعليمية في الكويت مختزلا في المباني والتكييف وفصل الذكور عن الإناث ، هؤلاء لم يدركوا بعد أن المؤسسة التعليمية هي رسالة ، والمشكلة هي أن القائمين على التعليم في الكويت ( وهم ليسوا ببدعة من العرب فكلنا في الهم شرق ) ، لم يحددوا رسالة أو هدف يقوموا بموجبه بإعداد المنظومة التعليمية ، فشلوا في غرس الأسس الأولية لمفهوم المواطنة وقيم إحترام القانون والدولة المؤسساتية ، ومخرجات المؤسسة التعليمية في الكويت تتحدث بوضوح عن هذا الخلل.
أنظر إلى المشكلة التي أثارها بعض نواب مجلس الأمة (السابق) حول الديوانيات المخالفة التي أنشأت على أملاك الدولة بدون تصاريح (أي بدون وجه حق) ، أو نفس مشكلة المسجد الذي تم بناؤه بدون تصريح ، ما المشكلة في هدم ذلك المسجد وبناء عشرين مسجد آخر غيره ولكن بتصريحات سليمة ، كل هذه الأمور وغيرها تدلنا على أن فكرة القانون لم ترسخ في ذهنية المواطن الكويتي.
ولكني لا أنظر إلى المجتمع الكويتي بنظرة سلبية فقط ، فهناك الكثير من الإيجابيات ، فما حدث خلال الغزو العراقي سنة 1990 من تلاحم الأسرة الكويتية يضرب به المثل، وهو ليس كلام إنشائي عقيم أو عديم المعنى ، فالغزو كان من الممكن أن يشق وحدة الصف بأن ينقسم الشعب الكويتي إلى شعب سني و شيعي أو إلى حضر وبدو ، ولكن في الحقيقة كانت العلاقة بين الشعب نفسه بنفسه وبين الحاكم وشعبه علاقة وطنية جدا حفظت الكويت من خطر الزوال ، وأعتقد أن السر في ذلك كان التفافهم حول الراية الوطنية ، لا حول الراية القومية أو الدينية ، وهذا ما يجب أن يدركه القائمون على المؤسسة التعليمية.
قرأت قبل عدة شهور مقالة بعنوان (طارق حجي .. رئيساً لمجلس الوزراء ) ، وهو يقصد أين طارق حجي من ممارسة السياسة العملية على أرض الواقع .. أحيل هذا التساؤل إليك ؟
إلى سن أواخر الثلاثينيات ، كنت أظن أن لي مكان في السياسة في مصر ، وأن لي دور ، عندما توليت أعلى منصب في مؤسسة عالمية في المنطقة (شركة شل البترولية العالمية)، اكتشفت أن مفرداتي تختلف عن مفردات المنطقة تماماًَ ، سأعطيك أمثلة صغيرة ولكنها تتكرر في كل يوم ، فأنا عندما أكون في دولة ما بين دولنا العربية ، ويرسل لي حتى رئيس الدولة شخصا معين لتقلد منصب معين أو ليوظف ، فأنا سأخضعه للمعايير الموضوعية للإختبارات وقد يفشل ، نفس الشئ إذا رشح لي مقاول أو مشروع ، في كل الأمور تعلمت وتكونت إداريا على أن أدخلها في مطبخ معين ليست فيه أية إعتبارات عاطفية أو شخصية وإنما اعتبارات موضوعية علمية بحتة ، هذا علمني بأن الصدام ما بيني وبين الواقع مؤكد ، تكويني الإداري تكوين غربي صرف وذلك التكوين يخالف النظم والأعراف في مجتمعاتنا التي تختلط فيها معايير الصواب والخطأ.
فالمصري الذي يقف بسيارته عند الإشارة الحمراء في الساعة الثالثة صباحاً وليس أمامه أو وراءه أحد ينظر الناس إليه على أنه مجنون من المجانين ، لأنه لا وجود لأحد يقف عند الإشارة الحمراء في أي وقت فما بالك بالثالثة صباحاً !
أنا اكتشف اني إن مارست السياسية فسأجلب لنفسي تعاسة بلا حدود وسوف ينتقم مني الواقع ، وأدركت تماما في حدود أوائل الأربعينيات من عمري بأنه علي أن أكتفي بالتنظير الفكري والكتابة ، لأن مشاركتي في العمل السياسي والإداري على المسرح المصري سيسبب لي كوارث ، فمرونة السياسي غير متوافرة لدي .
إذن .. أنا أكتفي بأن أكون ناصحاً ، وأخلص النصيحة بقدر الإمكان ، ولكني لن أمارس السياسة كلاعب في الفريق لأن علاقتي في اللاعبين العشرة الآخرين ستكون علاقة سيئة ، وبالجمهور أيضا ، وبالحكام كذلك !
حاوره : فيصل خاجه
لـلـتـعـلـيـق