
قبل الخوض في غمار هذا الموضوع أود ان اتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان نيابة عن ملايين البشر الى السادة تشاد هارلي (اميركي) وستيفن تشين (صيني) وجاويد كريم (بنغالي) الذين ابتكروا في فبراير 2005 فكرة موقع اليوتيوب، وهي فكرة ذكية تتيح لمستخدمي الانترنت التمتع بمشاهدة مقاطع الفيديو المنوعة ما بين البرامج الوثائقية والترفيهية وغيرها من دون الالتزام بما تعرضه الفضائيات، ولا بمواعيد البث التلفزيوني ولا حتى بالاقمار الصناعية المفروضة علينا.بلغ عدد الملفات التي يحتويها (يوتيوب) اكثر من 83 مليون مقطع مرئي (فيديو)، واكثر من 100 مليون مقطع تتم مشاهدته يوميا في جميع ارجاء المعمورة، مع ملاحظة ان هذه الارقام تم اعدادها وفق احصائيات معتمدة تمت في شهر ابريل 2008، والارقام تتزايد يوميا بشكل مطرد وجنوني.
استعمال الغرب لهذه الوسيلة هو استعمال يتميز بالروعة والابداع، فالمنظمات الغربية تولي الكثير من الاهتمام لليوتيوب عبر انشاء قنوات خاصة بها لبث المواد الاخبارية والوثائقية والعلمية والتعليمية وغيرها، وتأتي في طليعة هذه المنظمات
BBC و
CNN، ويتم تحديث محتويات هذه القنوات يومياً. اما على صعيد الافراد فتجد اليوتيوب وقد اصبح لهم حلبة لتحدي المواهب المتنوعة والمختلفة، كالعزف على الآلات الموسيقية وتقليد الشخصيات واستعراض المواهب الرياضية وغيرها الكثير.
اما العرب وكعادتهم في الاستغلال السيئ لكل ما تأتي به حضارة الغرب المبدعة، فتجد غالبية نشاط المشاركين منهم (منظمات وافراداً) تتركز في نشر ثقافة الشر والكراهية عبر بث المقاطع التحريضية بين المذاهب والاديان والاعراق والتيارات السياسية وكل ما يثير الفرقة. اما عن مشاركات المشاهدين عبر تعليقاتهم فحدث ولا حرج، إذ تدور حرب ضروس قوامها جميع الشتائم والمفردات البذيئة، واكثر ما يحيرني حينما لا توجد هناك علاقة بين التعليقات والفيديو الذي يتم التعليق عليه، فتجد مقطعا موسيقيا (على سبيل المثال) وسجل التعليقات ممتلئا بالسباب والشتائم بين الشيعة والسنة!
وبفضل الخدمة الجديدة التي تقدمها يوتيوب (كما هو الحال في غوغل وياهو) لمستخدميها، يكفي ان تكتب حرفا لتظهر لك قائمة بأكثر الكلمات التي تم البحث عنها وتبدأ بالحرف ذاته، وذلك كنوع من التسهيل ولإعطائك خيارات اكثر في البحث، بالاضافة الى وجود خدمة العداد التي تكشف عن عدد مرات المشاهدة لكل مقطع، ولكن هذه الخدمات كشفت لنا عن مدى سلبية استفادة العرب من اليوتيوب، إذ لم يعد سرا ان ثقافتنا الضحلة تقودنا الى ان نولي جل اهتمامنا للبحث عن مقاطع الشر والتعصب والمقاطع الجنسية والفضائح، وذلك تناقض واضح وفاضح كما هو الحال في تناقض الكثيرين عندما ترى صفحتهم الشخصية في اليوتيوب ممتلئة بالمقاطع الدينية من محاضرات وادعية وترتيل ودعوات الى الجهاد، ثم ترى الشخص عينه وهو يكيل الشتائم الجنسية البذيئة في تعليقاته!
المتتبعون لليوتيوب (وانا منهم) يعلمون بان المثال السابق ليس استثناء، بل هو امر منتشر بشكل كبير ومخيف، ويحتاج فعلا إلى ان يتم النظر فيه من قبل المتخصصين في دراسة علم النفس والسلوك، لمعرفة موضع الخلل في مجتمعاتنا، فالخلل فعلا في داخلنا وليس في كل جديد يبتكره الغرب، فنتفرغ نحن بعدها للتنظير حول مؤامرات اعداء الدين والرغبة في زعزعة مجتمعاتنا من الداخل، اما آن لهذه السطحية ان تنتهي؟
نعم، ندرك ان استغلالنا لليوتيوب والانترنت والتلفون والسيارة هو استغلال خاطئ، ولكن سياسة المنع والقمع هي سياسة حمقاء في القرن الواحد والعشرين، وهي تذكرنا بأيام الغزو العراقي لنا عندما كانت عقوبة حيازة الساتلايت (يسمونها منظومة آنذاك) هي الاعدام، وها هو الحكم القراقوشي يعود إلينا من جديد، ولكنه بثوب الثوابت الاسلامية والحفاظ على العادات والتقاليد. لم يكفهم انهم قتلوا الفرحة والبسمة (رحمها الله) في الكويت فقرروا ان يدخلوا بيوتنا ليختاروا لنا ماذا نشاهد وماذا نفعل وقريبا جدا..... ماذا نأكل؟
المضحك في هذا الشأن أن مدير ادارة الرقابة الهاتفية في وزارة المواصلات في كتابه الذي ارسله لطلب حجب اليوتيوب في الكويت بحجة «اسلامية»! لا يعلم كيف يكتب كتابا رسميا بلا اخطاء نحوية فادحة لا يخطئها طالب في الابتدائية، فذكر الرسول الكريم في هذا الكتاب تم الحاقه مرتين بـ (صلى الله علية وسلم)!!! مكتوبة هكذا والله بالتاء المربوطة!!
كل ما سبق في ناحية، وما اود اخباركم به من ناحية اخرى، فهل تصدقون أن حملة المطالبة بمنع اليوتيوب لها مؤيدون حتى بلغت الوقاحة بأحدهم ان يكتب مقالة في صحيفة يومية (صحيفة الوطن طبعاً) مؤيدا خطوة المنع، وواصفا المعارضين لتلك الخطوة بالذباب!عجبي ان يتم السماح للبعض (يمكنك اضافة حرف الواو إلى الكلمة ان شئت) بأن يطالب بقتل الحرية.. باسم الحرية!