قبل بضعة أشهر ، إمتدت عطلة عيد الأضحى المبارك 9 أيام كاملة غير منقوصة ، وها هي عطلة عيد الفطر السعيد تمتد 9 أيام أخرى لنزيد رصيدنا المكدس بالسبات المقدس ، وما بين مبارك وسعيد .. نوم العوافي .
كم نعشق النوم ، كم نعشق عبادة ( الربادة ) ، نحن أكثر دول العالم في عدد أيام الإجازات ، ولا تسمع من مجلسنا الموقر سوى . هل من مزيد ؟ وأي مزيد ؟ يطلبون عشرة أيام دفعة واحدة !؟ تتكرر تلك المطالبة بتعطيل الدولة واعتكافها (رسميا) في العشر الأواخر من رمضان كل سنة ، هل يعلم القارئ العزيز بأن مجموع أيام العطل الرسمية في الولايات المتحدة (على سبيل المثال) خلال السنة لا يتجاوز الـ 11 يوماً ، كما لا يمكن أن تتعدى إجازات البنوك فيها أكثر من يومين نظراً لإرتباطها المباشر بمصالح البشر ، نعم نسيت ... مالنا ومال البشر ؟
أعتقد أننا في خضم معاركنا في البحث عن الأولويات فقدنا حرفاً واحداً فقط ، عوضاً عن البحث عن الإنجازات بحثنا عن الإجازات بخطأ مطبعي ، فأصبحنا نفتش بين الأيام الشمسية والقمرية علنا نجد يوما به فرصة محتملة لأن يكون يوم نوم ، لنلبس بعدها عباءة الدين، ونصطف عند باب الحكومة منشدين كعادتنا .. عطونا الله يعطيكم

من المفارقات الملفتة أن الدولة تعتمد التقويم الميلادي تقويماً رسمياً للدولة ، في حين تستحوذ السنة القمرية ما نسبته 80 % بالتمام والكمال من إجمالي العطل الرسمية في الكويت ، وتترك الـ 20 % الأخرى للسنة الشمسية ممثلة في عطلتي العيد الوطني والتحرير عطلة رأس السنة الميلادية.
إرتباط المجتمع الكويتي بالشهر القمري لم يعد دينياً بالدرجة الأولى بل بات مصلحياً ، وإلا .. ما الذي يمنع أن نؤدي عباداتنا وعاداتنا خلال رمضان ومحرم وغيرها من الأيام المقدسة بلا ( منة ) أو ( حنة ) موسمية ؟ باعتقادي المتواضع .. أن الكسل هو المانع ... وليس الدين ، فحسب ما نقرأه في السير وكتب التاريخ أن المسلمون الأوائل كانوا ينشطون خلال شهر رمضان ويقومون بما لا يقومون به في الأشهر الأخرى ، غزوة بدر وفتوحات مكة والبويب والنوبة وعمورية ومعركة عين جالوت وغيرها من المعارك ، جميعها دارت خلال شهر رمضان المبارك ولم نسمع عن مطالبة الصحابة والتابعين بالتفرغ للقيام ليلاً بصلاة القيام ، والنوم نهاراً وقت الصوم ، ذلك السلوك وغيره يكشف إتجارنا بكافة أصناف كسل (الشفاء) ومستلزمات النوم !
أما بشأن المطالبين بإعتماد التقويم الهجري كتقويماً أساسيا للدولة وإحلاله محل الميلادي (كما قام بذلك أحد النواب قبل بضعة سنوات ) ، مستشهدين ببعض المعلومات (المفبركة) حول دقة التقويم وأفضليته على الشمسي ، أسوق إليهم بعض المعلومات والفروقات الأساسية ما بين السنتين ليكفوا عن الحديث فيما لا علم لهم به.
تتكون السنة الشمسية من 365.2422 يوما ، في حين أن السنة القمرية تتكون من 354.367 يوما، فالفرق السنوي ما بين السنة الشمسية والسنة القمرية يعادل 10.8752 يوما، ومعضلة الكسور في السنة الشمسية تتم معالجتها بوضوح عبر إضافة يوم على شهر فبراير كل 4 سنوات لتسمى بذلك السنة الكبيسة، أما السنة القمرية فلا يمكن معالجتها بمثل هذا الوضوح نظرا لأن الدورة القمرية الواحدة حول الأرض تستغرق 29.530588 يوما ( أي 29 يوم و12 ساعة و 44 دقيقة و 2.8032 ثانية ) ، مع العلم بأن كل 32 سنة شمسية تعادل 33 سنة قمرية .
ومن الطرائف التاريخية أن الملك المصري فاروق الأول (1920-1965) لم يكمل السن القانوني عند قيامه بتسلم مقاليد الحكم في عام 1937 ، فقد كان عمره آنذاك سبعة عشر عاما وخمسة أشهر ، ولكن خوف والدته ( الملكة نازلي ) من استيلاء الوصي محمد علي (إبن عم الملك) على الحكم جعلها تلجأ إلى شيخ الأزهر آنذاك ( محمد مصطفى المراغي ) ليصدر فتوى باحتساب عمر الملك بالتاريخ الهجري ليصل إلى السن القانوني للحكم ( ثمانية عشر عاما ) ، وكان لها ما أرادت !
عودة إلى الفروقات الرئيسية ما بين السنتين ، السنة الشمسية هي التي تحوي مظاهر فصول السنة (الربيع/الصيف/الخريف/الشتاء) بوضوح وبلا تغيير من سنة إلى أخرى ، والشهر الشمسي يغنينا عن الجدل الموسمي حول إستكمال الشهر القمري لأيامه من عدمه ، ناهيك عن اعتدادنا المطلق بالسنة الشمسية في أذهاننا وفي ترتيب مواعيدنا والتزاماتنا وأنشطتنا.
خلاصة القول .. رسالة موجهة إلى المطالبين بـ ( دَروشة ) المجتمع بمطالبتهم المستمرة بالمزيد من الإجازات ، ومطالبهم المستمرة باستنزاف بيت مال ( الكويتيين ) في اقتراحات شعبوية إستنزافية لطاقات وموارد الكويت .... كفى
نشرت في القبس بتاريخ 2-10-2009